البداية > عام > ولله المثل الأعلى

ولله المثل الأعلى

بسم الله الرحمن الرحيم

هكذا نبدأ كل أعمالنا ونتبارك بهذه المقولة قبل كل فعل، هكذا تعلمنا في الصغر ونحاول أن نحافظ عليها في الكبر، ولكن السؤال هل نفهم معناها؟ هل نستشعر عظم معناها ونحن نقولها؟

الله سبحانه وتعالى له أسمائه الحسنى التي من خلالها تستطيع أن تتعرف على إلهك وربك وخالقك، والكيس منا من عاش يجتهد أن يتعرف على الله أكثر وأكثر في كل لحظة حتى يزداد حبا لله فيزداد طاعة له ويزداد طمعا في رضاه سبحانه، اللهم ارض عنا جميعا وارزقنا الفردوس الأعلى وارزقنا رؤيتك يا ودود.

معرفة الله باب كبير علينا جميعا أن نتقرب إلى الله منه لأنه هو الباب الأساسي الذي من خلاله تستطيع أن تصل إلى محبة الله والأنس به، وطرق التعرف على الله كثيرة، منها التعرف على الله من خلال أسمائه وصفاته ومنها التعرف عليه من خلال أحداث الحياة التي هي من صنعه ومنها التعرف على الله من خلال التفكر في خلقه سبحانه وتعالى، ومما لا شك فيه أن قراءة القرآن بفهم وتدبر أهم الطرق على الإطلاق وكيف لا وهو كلامه سبحانه وتعالى مباشرة إليك.

وفي صحيح البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “جعل الله الرحمة في مائة جزء ، فأمسك عنده تسعة وتسعين جزءا ، وأنزل في الأرض جزءا واحدا ، فمن ذلك الجزء يتراحم الخلق ، حتى ترفع الفرس حافرها عن ولدها ، خشية أن تصيبه.فالله سبحانه وتعالى هو الرحمن الرحيم الذي إن تفكرت في رحمته بالكفار المعاندين الفاسقين الباغين لتعجبت كل العجب من رحمته بهم إمهاله لهم، فما بالك برحمته بالمؤمنين التائبين؟! وإن تفكرت في هذا الجزء الذي أنزله الله في الأرض فلن تستطيع أن تتخيل رحمته سبحانه وتعالى.

مع مرور أحداث الحياة ومع قيام كل منا بدور جديد في الحياة يظهر له معاني جديدة يراها في الأحداث التي تحدث من حوله، فعلى سبيل المثال أصبحت أبا من خمس سنوات ونصف وأصبح لي دور جديد وهو دور الأب، ومع تغير سن مريم تتغير الأحداث وتظهر معاني جديدة، ومن هذه المعاني هي رحمة الله سبحانه وتعالى بالعاصين التائبين.

تعلمت أن من المهم وأنت توبخ ابنك أو ابنتك أن يتبع هذا التوبيخ مظاهر حب كالحضن والقبلة، حتى يفهم الطفل أنك توبخه لفعله لا لشخصه وأنك مازلت تحبه، وكبرت مريم على هذا الأسلوب وبعد أن تعودَت على ذلك أصبح هذا الحضن وهذه القبلة بعد التوبيخ الشديد إنما هي دليل أنني رضيت عنها وإن لم تجد هذا الحضن فهذا بمثابة أن أبي مازال متضايق مني وتظل هي في ضيق شديد لذلك.

ومع تعدد المواقف تتعدد المشاعر تبعا للموقف نفسه، وفي آخر موقف لي معها، تضايقت منها جدا لفعل فعلته ووبختها بشدة وأظهرت ضيقي الشديد وبالفعل لقد استفزتني جدا وبعد أن هدأ بكائها قليلاً وجدتها تتبعني حيث أذهب وتنظر لي نظرات من يريد شيئا، ففهمت مباشرة أنها تريد دليل الرضا عنها بعد الضيق منها، ولكني كنت في غاية الضيق منها وقلت لها أنا متضايق منك لدرجة أنني لا أستطيع أن أحضنك فبكت مريم أكثر وأكثر حتى تقطع قلبي عليها ولكني أيضا لم أستجب لها مباشرة حتى جاءت إلى الغرفة التي أجلس فيها وبدون أن تدخل ظلت تبكي وتنظر لي نظرات استعطاف ورجوع عن الخطأ، فما كان مني إلا أن ناديتها وأخذتها في حضني وزاد بكائها قليلا ثم هدأ تدريجيا وهي لا تعلم حينها أن دموعي سبقت دموعها.

نعم لقد ذكرني الموقف برحمة الله سبحانه وتعالى بالتائبين ولله المثل الأعلى، فإن كنت أنا رحيم بمريم عند استعطافها لي وأنا ما أنا من قساوة قلب وشدة، وأنا ليس لي إلا جزء لا يكاد يذكر من الجزء الذي أنزله الله إلى الدنيا فما بالكم بالتسعة وتسعين جزءا الباقين عند الله؟ لقد تأكدت أقصد ازدت يقينا بقول الله تعالى “قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّـهِ ۚ إِنَّ اللَّـهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا ۚ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ﴿٥٣ الزمر﴾“.

واللافت للنظر أن مريم لم تيأس من محاولة طلبها مني بطريقة مباشرة وغير مباشرة بأن أحن عليها وأحضنها، وتعلمت أن علي عندما أعصي الله وأتوب ألا أمل من طلب المغفرة والعفو من الله سبحانه وتعالى ومع عدم مللي وكثرة سؤالي لله أكون على يقين أن الله سبحانه وتعالى رحيم بي رحمة لا تقارن بأي حال من الأحوال برحمتي بمريم فلله المثل والأعلى.

أدعو نفسي وإياكم بكثرة الاستغفار، ومحاولة تذكر ذنوب نسيناها مع الوقت لنتوب منها ونستغفر الله عنها ونكون على يقين أن رحمة الله وسعت كل شىء فهو القائل سبحانه: “وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ (156 الأعراف)“. اللهم اجعلنا ممن ترحمهم في الدنيا والآخرة … اللهم آمين آمين آمين.

التصنيفات:عام
  1. علا
    1 مارس 2010 عند 6:41 م | #1

    ما أحلى شعور الرجاء في الرب الرحيم. دائما يلعب الشيطان على وتر القنوط. اللهم عافنا منه، واغفر و ارحم أنت أرحم الراحمين.

  2. 1 مارس 2010 عند 7:05 م | #2

    اللهم آمين .. اللهم آمين
    اللهم إنا نعوذ بك من همزات الشياطين
    جزاك الله خيرا على مرورك الكريم وتعليقك القيم :)

  3. مشاركة
    3 مارس 2010 عند 11:22 ص | #3

    سبحان الله !
    الرحمن.. الرحيم.. !!

    ما أجمل أن يتفكر المرء في مواقف يمر بها.. ثم يتعلم منها شيئا.. !
    أما أن ينقلها لغيره ليستفيد هو الآخر، فهذا هو الأروع !

    جزاكم الله خيرا..
    موقف مؤثر.. وموعظة لاقت في القلب صدى !

  4. 4 مارس 2010 عند 10:54 ص | #4

    هنيئا لي أن أفيد غيري … أسأل الله أن يعينني على ذلك وأن يتقبل مني
    جزاك الله خيرا على التعليق :)

  1. No trackbacks yet.

اترك رد

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / تغيير )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / تغيير )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / تغيير )

Connecting to %s

Follow

Get every new post delivered to your Inbox.